النووي

35

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

فَالْغِنَى غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ ، فَتَحْصُلُ التُّهْمَةُ ، وَمَوْتُ الْقَرِيبِ كَالْمُسْتَبْعَدِ فِي الِاعْتِقَادِ ، فَلَا تَتَحَقَّقُ فِيهِ تُهْمَةٌ ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَاقِلَةِ عَلَى فِسْقِ بَيِّنَةِ قَتْلِ الْعَمْدِ وَبَيِّنَةِ الْإِقْرَارِ بِالْخَطَأِ ; لِأَنَّ الدِّيَةَ لَا تَلْزَمُهُمْ ، فَلَا تُهْمَةَ . فَرْعٌ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلَيْنِ أَنَّهُمَا قَتَلَا زَيْدًا ، فَشَهِدَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا عَلَى الْأَوَّلَيْنِ أَنَّهُمَا قَتْلَاهُ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ : يُسْأَلُ الْوَلِيُّ ، فَإِنْ صَدَّقَ الْأَوَّلَيْنِ دُونَ الْآخَرَيْنِ ، ثَبَتَ الْقَتْلُ عَلَى الْآخَرَيْنِ ، وَإِنْ صَدَّقَ الْآخَرَيْنِ دُونَ الْأَوَّلَيْنِ ، أَوْ صَدَّقَ الْجَمِيعَ ، أَوْ كَذَّبَ الْجَمِيعَ ، بَطَلَتْ شَهَادَةُ الْجَمِيعِ ; لِأَنَّ الْآخَرَيْنِ يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا ضَرَرًا ، وَلِأَنَّهُمَا عَدُوَّانِ لِلْأَوَّلَيْنِ ، وَاعْتُرِضَ عَلَى تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُسْمَعُ إِلَّا بَعْدَ تَقَدُّمِ دَعْوَى عَلَى مُعَيَّنٍ ، وَأُجِيبَ بِأَوْجُهٍ ، أَحَدُهَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ : إِنَّ تَقَدُّمَ الدَّعْوَى إِنَّمَا يُشْتَرَطُ إِذَا كَانَ الْمُدَّعِي يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ قَبْلَ الدَّعْوَى لِمَنْ لَا يُعَبِّرُ ، كَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ ، وَالشَّهَادَةُ هُنَا لِلْقَتِيلِ ، وَلِهَذَا تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ وَوَصَايَاهُ ، وَهَذَا ذَهَابٌ إِلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْحِسْبَةِ فِي الدِّمَاءِ ، وَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ . الثَّانِي : عَنِ الْمَاسَرْجِسِيِّ وَالْأُسْتَاذِ أَبِي طَاهِرٍ : أَنَّ صُورَتَهَا إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْوَلِيُّ الْقَاتِلَ ، وَتُسْمَعُ الشَّهَادَةُ قَبْلَ الدَّعْوَى وَالْحَالَةُ هَذِهِ ، وَهَذَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّ شَهَادَةَ الْحِسْبَةِ تُقْبَلُ إِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِهَا الْمُسْتَحِقُّ . الثَّالِثُ : قَالَهُ الْجُمْهُورُ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُقْبَلُ إِلَّا بَعْدَ تَقْدِيمِ الدَّعْوَى ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ ، وَصُورَتُهَا أَنْ يَدَّعِيَ الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى رَجُلَيْنِ ، وَيَشْهَدُ لَهُ شَاهِدَانِ ، فَيُبَادِرُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا ، وَيَشْهَدَانِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ بِأَنَّهُمَا الْقَاتِلَانِ ، وَذَلِكَ يُورِثُ رِيبَةً لِلْحَاكِمِ ، فَيُرَاجِعَ الْوَلِيَّ ، وَيَسْأَلُهُ احْتِيَاطًا ، وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي وَكِيلَ الْوَلِيِّ ، نُظِرَ ، إِنْ كَانَ عَيَّنَ الْآخَرَيْنِ وَأَمَرَهُ بِالدَّعْوَى عَلَيْهِمَا ، فَفَعَلَ ، وَأَقَامَ بِهَا شَاهِدَيْنِ ، فَشَهِدَ